يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

282

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

كمثل رجل كثر ماله فهو يفرح به ، وقد يسرق المال ولا يعلم به ، وفرحه به باق . وأما الخلق : فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها ، وأخلاقا يذمها ، وإنما يذمه من حيث يرى نفسه بريئا عنها ، فينبغي لهذا أيضا أن يشكر اللّه تعالى إذا رأى نفسه أحسن خلقا من غيره . وأما العلم : فيعرف من نفسه ومن باطن أمره عيوبا وذنوبا لو اطلع أحد عليه لافتضح ، فكيف لو اطلع عليه الناس كافة ، وهذا شيء لا يشركه فيه غيره ، فهذا أحوج الناس إلى الشكر ، إذ أظهر اللّه عليه الجميل ، وستر القبيح ، وأخفى ذلك عن عيون الخلق ، وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد من الناس . وأما النعم غير هذه فكثيرة : يرى نفسه حسنا أحسن من غيره ، ويطيب له غناؤه ، ويعجبه ولده ، ويفرح ببلده ، ويفخر بنسبه وبصنعته ، ويحمي أميره وشيخه ، ويرى نفسه فوق كثير من الخلق ؛ لا سيما أن جعله مؤمنا لا كافرا ، أو ذكرا لا أنثى ، وحيا لا جمادا ، وإنسانا لا بهيمة ، وصحيحا لا مريضا ، ولا بد أن يختص ببعض هذه الأشياء ، فينبغي أن يكثر حمد اللّه تعالى وشكره ، ولا يكفر نعمه ، وإن كان لا يقوم بالشكر فيعترف بذلك ؛ فذلك منه شكر . ومن نعم اللّه تعالى ما وقع في حديث أبي قلابة رضي اللّه عنه : يقول اللّه تعالى : اثنتان أعطيتكهما يا ابن آدم ولم يكن لك واحدة منهما ، أما أنت فتبخلت بمالك حتى إذا أخذت بكظمك وصار لغيرك جعلت لك فيه نصيبا ؛ أو قال : فريضة ؛ أطهرك به وأزكيك ، أو كالذي قال : وصلاة عبادي حين انقطع عملك ، فلم يكن لك عمل . الكظم : مخرج النفس ؛ يقال : غمني وأخذ بكظمي . خرجه ثابت رحمه اللّه ، وقوله في هذا الحديث حين ذكر مال المريض فقال : وجعلت لك فيه نصيبا أو قال فريضة ؛ يعني بذلك الثلث الجائز الذي يخرجه الإنسان في مرضه بعد موته . وأول من فعل ذلك البراء بن معرور رضي اللّه عنه ، وهو أحد النقباء السبعين الذين بايعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم على العقبة ، وهو من بني سلمة . قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد البيعة : إني لو مقتك فأحب أن تعود إليّ حتى تهاجر معي فيكون لك مع النصرة هجرة . فلما رجع مرض بالمدينة ، فكان يصلي إلى الكعبة لموعده النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما حضرته الوفاة قال : إذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد صلى اللّه عليه وسلم لموعدي معه ، واجعلوا مالي ثلاثة أثلاث : ثلثا للّه ، وثلثا لرسوله ، وثلثا لولدي . فلما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبر بوفاته وبالوصية فقال : أما ثلثي فرد على ولده ، وأما ثلث اللّه فأنفقه في سبيل اللّه . فكان أول من صلى إلى الكعبة ، وأول من دفن إليها ، وأول